كيف ألهمت سمكة تطوير نهج جديد في تقنيات الالتصاق؟
قد لا تبدو قدرة سمكة على الالتصاق بكائن حي آخر أمراً مدهشاً للوهلة الأولى. لكن عندما يحدث هذا الالتصاق تحت الماء، وعلى سطح متحرك وناعم ومتغير الشكل باستمرار، تتحول المسألة فجأة إلى تحدٍ هندسي. وهذا تحديداً ما لفت انتباه الباحثين.
تستطيع أسماك الريمورا الالتصاق بأسماك القرش والحيتان والسلاحف وغيرها من الكائنات البحرية، وكذلك بالقوارب وحتى بالغواصين. والأكثر إثارة أنها تستطيع القيام بذلك تحت الماء وعلى أسطح متحركة وناعمة. ومن خلال دراسة المبادئ التي تقف وراء هذه الآلية الطبيعية، طور الباحثون نظاماً جديداً للالتصاق الميكانيكي.
ويُعرف هذا النظام باسم MUSAS (Mechanical Underwater Soft Adhesion System)، وهو مثال لافت على إمكانية تحويل الحلول الهندسية المستوحاة من الطبيعة إلى تطبيقات في مجالات مختلفة تماماً.
كيف تلتصق سمكة الريمورا؟
توجد في الجزء الأمامي من رأس الريمورا بنية خاصة تشبه كوب الشفط، وهي قرص للالتصاق تطور من الزعنفة الظهرية الأولى. لكن هذه البنية أكثر تعقيداً بكثير من كوب شفط بسيط.
يحتوي القرص على حجرات يمكن أن تعمل بشكل مستقل، وهياكل صفائحية تُعرف باسم اللاميلا، وعلى أسطحها هياكل صغيرة جداً تشبه الأسنان وتُعرف باسم السبينولات. وعندما تلتصق الريمورا بسطح ناعم، تعمل هذه الهياكل معاً لتكوين نقاط اتصال متعددة مع السطح.
توضح دراسة الباحثين أن آلية التصاق الريمورا لا تعتمد فقط على تأثير التفريغ أو الشفط. فعندما تتحرك الهياكل الموجودة داخل القرص، يتم التخلص من الماء الموجود بين القرص والسطح، بينما توفر اللاميلا والسبينولات في الوقت نفسه تشابكاً ميكانيكياً.
بمعنى آخر، تعمل آليتان مختلفتان معاً: التصاق شبيه بالشفط وتثبيت ميكانيكي.
وهذا مهم لفهم كيفية قدرة الريمورا على البقاء ملتصقة بالأسطح المتحركة والقابلة للتشوه.
بدلاً من نسخ قرص الالتصاق لدى الريمورا بشكل مباشر، حاول الباحثون تحديد المبادئ الأساسية التي تقف وراء آلية عمله. وهذه إحدى السمات المهمة للتصميم المستوحى من الطبيعة.
فالهدف ليس إعادة إنتاج بنية موجودة في الطبيعة بشكل حرفي، وإنما فهم الطريقة التي تحل بها الطبيعة مشكلة معينة، ثم تكييف هذا المبدأ مع تقنية مختلفة.
وبناءً على هذه الدراسات، صُمم نظام MUSAS ليتمكن من الالتصاق بالأسطح الناعمة والمتحركة تحت الماء. ويتكون النظام من هيكل مرن من الإلاستومر، وهيكل داعم من الفولاذ المقاوم للصدأ، وصفائح مصنوعة من سبيكة ذات ذاكرة شكلية. وتحاكي هذه الصفائح الحركة الميكانيكية للتشابك التي تحدث عندما تلتصق الريمورا بالسطح.
وبعبارة أخرى، قام الباحثون بتحويل حل تطور عبر ملايين السنين من التطور البيولوجي إلى نظام هندسي.
لماذا يُعد الالتصاق تحت الماء مهماً؟
يُعد الالتصاق تحت الماء مشكلة أكثر تعقيداً مما قد يبدو للوهلة الأولى. فقد صُمم جزء كبير من المواد اللاصقة التقليدية للعمل على أسطح جافة وصلبة نسبياً. أما تحت الماء، فقد تتحرك الأسطح باستمرار وتتغير أشكالها، كما يمكن أن توجد طبقة من الماء بين السطح ونقطة الالتصاق. وتصبح المشكلة أكثر تعقيداً عندما يتعلق الأمر بالأنسجة الحية.
ومن أبرز خصائص نظام MUSAS قدرته على الالتصاق بأسطح ناعمة تختلف في درجة صلابتها وخشونتها، مع الحفاظ على أدائه في ظروف بيئية مختلفة. وقد أظهر الباحثون أن النظام قادر على توليد قوة التصاق تتجاوز وزنه الخاص بدرجات كبيرة.
ومن الجوانب المثيرة للاهتمام في هذه الدراسة أيضاً أن النظام لم يُصمم فقط لأبحاث البيئة تحت الماء. إذ يجري كذلك دراسة إمكاناته في مجال التقنيات الصحية.
اختبر الباحثون النظام كمنصة قادرة على الالتصاق داخل الجهاز الهضمي. ويمكن أن يتيح هذا النهج مستقبلاً تطبيقات مثل وضع أجهزة الاستشعار في مواقع محددة داخل الجهاز الهضمي، ومراقبة الارتجاع المعدي المريئي، وإيصال الأدوية لفترات زمنية طويلة.
كما بحثت الدراسة تطبيقات محتملة أخرى، مثل إيصال جزيئات mRNA عبر الجهاز الهضمي وإيصال الأدوية طويلة المفعول.
وفي البيئة تحت الماء، تم أيضاً دمج نظام MUSAS مع أجهزة استشعار صغيرة لقياس درجة حرارة جسم الأسماك أثناء حركتها.
وتُعد إمكانية استخدام آلية التصاق واحدة في مجالات مختلفة جداً، من التقنيات الصحية إلى الأبحاث البحرية، واحدة من أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في هذه الدراسة.
الابتكار الحقيقي يكمن في طريقة نظرنا إلى الطبيعة
ربما يكون الجانب الأكثر إلهاماً في هذه الدراسة سابقاً حتى على الجهاز نفسه.
فعند تطوير تقنية جديدة للالتصاق، لم ينظر الباحثون فقط إلى الحلول الهندسية الموجودة بالفعل، بل حاولوا فهم آلية تعمل في الطبيعة منذ زمن طويل.
فالريمورا قادرة منذ ملايين السنين على الالتصاق بالأسطح المتحركة تحت الماء.
أما المهندسون فطرحوا سؤالاً بسيطاً:
«كيف تفعل ذلك؟»
ثم بحثوا عن الإجابة من خلال الدراسات التشريحية والتحليل الفيزيائي والمحاكاة الحاسوبية والتجارب. وكانت النتيجة نظاماً هندسياً جديداً مستوحى من البنية الطبيعية، وليس نسخة مطابقة لها.
وهنا يكمن درس مهم في مجال الابتكار.
فتطوير تقنية جديدة لا يعني دائماً اختراع شيء أكثر تعقيداً. ففي بعض الأحيان، يكفي أن نكتشف مشكلة حلتها الطبيعة بالفعل، وأن نفهم المبدأ الذي يقف وراء هذا الحل، ثم نكيّفه مع احتياج مختلف.
الطبيعة لا تزال مصدراً مهماً للتكنولوجيا
وهذا أحد الأسباب التي تجعل الأساليب المستوحاة من الطبيعة تحظى باهتمام متزايد في مجالات هندسية مختلفة.
فالطبيعة مضطرة إلى استخدام الطاقة والموارد بكفاءة. وعلى مدى ملايين السنين من التطور، أنتجت بنى وسلوكيات الكائنات الحية عدداً لا يحصى من الحلول لمشكلات مختلفة.
وفي حالة الريمورا، نواجه سؤالاً يبدو بسيطاً:
كيف يمكن الالتصاق بسطح ناعم ومتحرك تحت الماء؟
الإجابة موجودة في تشريح سمكة.
وتوضح دراسة MUSAS أن التقنيات المستوحاة من الطبيعة ليست مجرد أفكار مثيرة للاهتمام، بل يمكن، من خلال البحث والتطوير الهندسي المناسب، تحويلها إلى تطبيقات حقيقية في مجالات الصحة والأبحاث البحرية وتقنيات الاستشعار.
وربما سنواصل البحث عن بعض تقنيات الالتصاق المستقبلية ليس فقط داخل المختبرات، وإنما في الطبيعة نفسها أيضاً.
لأن أفضل طريقة لتطوير حل جديد قد تكون أحياناً أن ننظر أولاً إلى الطريقة التي حلت بها الطبيعة المشكلة نفسها.
رؤية فريق Bayel: ماذا يعني ذلك لمعدات الرياضات المائية؟
عندما قرأنا في Bayel هذه الدراسة، قادتنا نظرتنا التجارية مباشرة إلى المواد اللاصقة المستخدمة في معدات الرياضات المائية.
ألواح ركوب الأمواج، ومعدات الغوص، ومعدات السباحة، وألواح SUP والقوارب القابلة للنفخ، والكاميرات تحت الماء، وأجهزة الاستشعار، والمعدات الإلكترونية المقاومة للماء، والمنتجات المصنوعة من مواد نسيجية مثل النيوبرين...
كل نوع من هذه المعدات قد يتطلب عمل مواد مختلفة معاً. كما أن نقاط الاتصال هذه لا تتعرض للماء فقط، بل تواجه ظروفاً صعبة مثل الحركة والاهتزاز والضغط وتغيرات درجات الحرارة والمياه المالحة ودورات البلل والجفاف المتكررة.
وهنا يظهر سؤال يبدو بسيطاً، لكنه في الواقع مهم جداً:
هل يمكن لحل لاصق يعمل بكفاءة في الظروف الجافة أن يقدم الأداء نفسه تحت الماء أو داخل نظام متحرك يتعرض للماء بشكل مستمر؟
في الواقع، هذه إحدى المشكلات الأساسية التي تواجه المواد اللاصقة المستخدمة في معدات الرياضات المائية. فمجرد ربط سطحين معاً لا يكفي. يجب أن يظل الاتصال موثوقاً به حتى مع تغير ظروف استخدام المعدات.
فعلى سبيل المثال، فإن ربط مواد مختلفة في لوح ركوب الأمواج، أو الحفاظ على إحكام معدات الغوص ضد تسرب المياه، أو ضمان استمرار نقاط الاتصال في لوح SUP قابل للنفخ في أداء وظيفتها تحت الضغط، كلها أمثلة توضح أننا نتوقع من تقنيات اللصق أكثر من مجرد قوة التصاق أولية عالية.
يجب أن يكون الاتصال قادراً على مقاومة الماء والحركة والظروف البيئية.
وهنا تقدم دراسة MUSAS المستوحاة من سمكة الريمورا منظوراً مختلفاً لهذه المشكلة.
وبالطبع، هذا لا يعني أن نظام MUSAS يمكن استخدامه اليوم في معدات الرياضات المائية. لكن البحث يطرح احتمالاً مثيراً للاهتمام:
هل ستعتمد حلول الاتصال المستقبلية للمعدات التي تعمل تحت الماء على مواد لاصقة أقوى فقط، أم ستظهر أنظمة جديدة تجمع بين مبادئ مختلفة مثل الالتصاق والتثبيت الميكانيكي والتكيف مع السطح؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر إثارة للاهتمام.
ومع تطور معدات الرياضات المائية، تزداد أيضاً المتطلبات المفروضة على الظروف التي يجب أن تعمل فيها هذه المنتجات. وهذا يخلق أسئلة جديدة، وبالتالي مجالات جديدة للابتكار في تقنيات الالتصاق.
وتذكرنا قصة الريمورا بشيء مهم:
لتطوير تقنيات المستقبل، لا نحتاج إلى النظر داخل المختبر فقط، بل علينا أيضاً أن ننظر إلى الطبيعة.
https://news.mit.edu/2025/hitchhiking-sucker-fish-inspired-adhesive-sticks-soft-surfaces-underwater-0723
https://chemmedia.com.tr/dergi-detay.php?slug=adhesives#reader
حقوق النشر © 2025-2026 BAYEL جميع الحقوق محفوظة.
لا يجوز نسخ أو إعادة إنتاج أو توزيع أي محتوى على هذا الموقع أو استخدامه لأغراض مثل تدريب الذكاء الاصطناعي بدون إذن من BAYEL.
