يشهد قطاع العلاقات الاقتصادية المحدودة بين تركيا وأرمينيا، والذي شهد تطوراً مستمراً على مدى سنوات، إنجازاً جديداً. ففي إطار عملية التطبيع التي بدأت عام 2022، أُعلن عن استكمال الإجراءات البيروقراطية اللازمة للتجارة البرية المباشرة بين البلدين (TV100). ويُعتبر العمل الفني الجاري، ولا سيما فيما يتعلق بفتح المعابر الحدودية، تطوراً هاماً للتجارة الإقليمية. بالنسبة للشركات التركية العاملة في قطاع مواد البناء، لا يقتصر هذا التطور على توفير مسار تصدير جديد فحسب، بل يتيح أيضاً مزايا لوجستية، وتخفيضاً في التكاليف، وإمكانية الوصول إلى أسواق جديدة في جنوب القوقاز.
على الرغم من صغر حجم اقتصادها، فقد زادت أرمينيا استثماراتها في البنية التحتية خلال السنوات الأخيرة، وهي دولة تعتمد بشكل كبير على واردات مواد البناء. وتبرز حاجة ماسة للواردات، لا سيما في مجالات مثل مشاريع تجديد المساكن، والاستثمارات في الطرق والبنية التحتية، وتحديث المباني التجارية، وتحويل المباني إلى مبانٍ موفرة للطاقة. وتُعد روسيا وإيران والصين حالياً من بين الموردين الرئيسيين لمواد البناء إلى أرمينيا. مع فتح الحدود البرية مع تركيا، يُتوقع أن يحقق المنتجون الأتراك ميزة تنافسية كبيرة من حيث السعر وسرعة التسليم بفضل المزايا اللوجستية.
ويُتوقع أن تبرز مواد البناء التركية، لا سيما منتجات السيراميك والزجاج، والأسمنت والمواد الكيميائية المستخدمة في البناء، وأنظمة النوافذ والأبواب المصنوعة من PVC والألومنيوم، وحلول الواجهات الخارجية، ومنتجات الحديد والصلب، ومواد العزل الحراري والمائي، في السوق الأرمينية. وبالنظر إلى القدرة الإنتاجية لتركيا، ومعايير الجودة العالية، وميزتها السعرية، فإنها تمتلك بنية تحتية قوية للإمداد قادرة على الاستجابة السريعة للطلب في المنطقة. كما أن الحاجة إلى منتجات العزل، خاصةً في ظل الظروف المناخية القاسية، قد تُتيح فرصة كبيرة للمصنعين الأتراك.
ولا يقتصر هذا التطور على السوق الأرمينية وحدها، إذ يُعدّ تحوّل أرمينيا إلى نقطة عبور لوجستية إقليمية أحد أهم جوانب هذه العملية. وفي حال استئناف التجارة البرية بشكل كامل، قد تظهر ممرات تجارية بديلة للشركات التركية إلى أسواق مثل جورجيا، وجنوب روسيا، وكازاخستان، وتركمانستان، وقيرغيزستان. وهذا من شأنه أن يوفر مزايا كبيرة، لا سيما من حيث خفض تكاليف النقل وتقصير أوقات التسليم.
بالنسبة للشركات التركية، قد يُتيح بدء التجارة البرية المباشرة مزايا كبيرة، مثل انخفاض تكاليف الشحن غير المباشر عبر دول ثالثة، وتقليل أوقات التسليم، والحصول على أسعار أكثر تنافسية. علاوة على ذلك، فإن القرب الجغرافي والإلمام بثقافة التجارة الإقليمية سيوفران للشركات التركية ميزة كبيرة في عمليات تطوير أعمالها. ويبدو أن المصنّعين الأتراك، الذين يقدمون حلولاً أكثر فعالية من حيث التكلفة مقارنةً بالمنتجات الأوروبية، مُهيّؤون لتحقيق مكانة سوقية أقوى في هذه العملية.
من ناحية أخرى، ولضمان سير العملية بسلاسة، تحتاج الشركات إلى الاستعداد في بعض المجالات. ومن بين القضايا التي يجب مراقبتها بعناية: اللوائح الجمركية والترتيبات الجديدة، وهياكل الموزعين والتجار المحليين، وأنظمة الدفع والبنية التحتية المصرفية، وعمليات الاعتماد الفني، والتطورات السياسية الإقليمية.
تمثل الخطوات المتخذة نحو التجارة البرية المباشرة بين تركيا وأرمينيا فتح بوابة تصدير جديدة لقطاع مواد البناء. وبالنظر إلى القرب الجغرافي، والقدرة الإنتاجية العالية، والمزايا اللوجستية، يُتوقع أن تُصبح الشركات التركية أكثر حضوراً في السوق الأرمينية خلال الفترة المقبلة. ولا يقتصر هذا التطور على كونه فرصة تجارية قصيرة الأجل فحسب؛ كما أن لديها القدرة على أن تكون نقطة تحول استراتيجية في توسع قطاع البناء التركي إلى جنوب القوقاز وآسيا الوسطى.
حقوق النشر © 2025 BAYEL® جميع الحقوق محفوظة.
لا يجوز نسخ أو إعادة إنتاج أو توزيع أي محتوى على هذا الموقع أو استخدامه لأغراض مثل تدريب الذكاء الاصطناعي بدون إذن من BAYEL®.
